ما هي معضلة العربة (الترام) الفلسفية ولماذا يهتم بها العلماء اليوم؟

24

تخيل أن ترامًا كهربائيًا مكابحه معطلة، ويسير بسرعة في طريق يقف عليه خمسة عمال غير منتبهين لقدومه، وفي حال قام الترام بصدمهم سيقوم بقتلهم على الفور. ولكن صدف أيضًا أنك تقف إلى جانب مفتاح يمكنك عن طريقه تحويل مسار الترام نحو طريق آخر يقف عليه شخص واحد بدلًا من خمسة. وهكذا، إذا قمت بتحويل المفتاح سينجو خمسة عمال ويموت شخصٌ واحد، فهل ستفعل ذلك؟ هذه هي معضلة العربة (الترام) الكلاسيكية التي ظهرت منذ حوالي خمسين سنة، والتي تعود اليوم إلى الأضواء بسبب علاقتها بالذكاء الاصطناعي.

تاريخ معضلة العربة (الترام)

طُرحت هذه المعضلة للمرة الأولى على يد سيدة الفلسفة الأولى فيليبيا فوت في عام 1967 وقام الفيلسوف يوديث تومسون بتطوير المعضلة بعد عدة سنوات، حيث أجرى عليها بعض التعديلات واشتقّ منها تنويعات أخرى، ومن التعديلات التي أجراها ما يلي:

  • أنت سائق الترام وتتجه نحو العمال الخمسة، وإلى يسارك مسارٌ آخر يقف عليه عامل واحد، إذا لم تفعل شيئًا سيموت خمسة أشخاص، وإذا انعطفت إلى اليسار سيموت شخص واحد، ماذا ستفعل؟
  • أنت تقف على جسر فوق مسار الترام وإلى جانبك شخص غريب لا تعرفه على الإطلاق، وهو ضخم وبدين لدرجة يمكنها إيقاف الترام فيما لو دفعته على الطريق، فهل ستفعل ذلك ليموت هذا الغريب وينجو العمال الخمسة؟
  • أنت تقف على جسر فوق مسار الترام وإلى جانبك شخص بدين وضخم ولكنه شرير، وهو المسؤول عن تعطيل مكابح الترام، إذا دفعته على الطريق سيتوقف الترام وينجو العمال ويموت هو، فهل ستفعل؟
  • يتجه الترام بسرعة نحو خمسة عمال غير منتبهين، إذا صدمهم سيقتلهم جميعًا، ويوجد مسار فرعي بشكل عقدة يعود بالترام إلى مساره الأساسي. إذا قمت بتبديل المسار سيتجه الترام نحو هذا الطريق ومن ثم سيعود إلى المسار الأساسي ليصدم العمال الخمسة من جديد، ولكن يوجد أيضًا على هذا المسار الفرعي شخص بدين سيوقف الترام فيما لو صدمه وسيموت هو لينجو العمال الخمسة، فهل ستقوم بتحويل المسار؟

هذه هي التعديلات التي أجراها تومسون على الأحجية، ولكن في النتيجة عليك دومًا أن تختار بين موت شخص واحد أو خمسة أشخاص، إلا أنها تعديلات جوهرية لأنها تجعلك مرةً سائق الترام، وفي حالتين عليك أن تدفع شخصًا ما لتنقذ الخمسة الآخرين، وهذا الشخص إما أن يكون بريئًا أو شريرًا مسؤولًا عن المشكلة، وفي الحالة الرابعة عليك أن تحول المسار لتقتل شخصًا واحدًا وتنقذ الخمسة الآخرين ولكن بطريقة غير مباشرة.

والآن ننصحك بمشاهدة هذا المقطع الممتع من جامعة هارفرد حول معضلة العربة ونقاش فلسفي حول الجانب الأخلاقي لجريمة القتل.

فهل هذه الحالات متشابهة؟ دماغك يجيب: لا.

مع دخول القرن 21 قرر الفيلسوف جوشوا غرين أن يقوم بتجربته الخاصة، حيث قام بتصوير أدمغة بعض الأشخاص بجهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI بينما يطرح عليهم أحجية الترام، وراقب نشاط أدمغتهم خلال التجربة، ونشر النتائج في عام 2001.

أظهرت نتيجة تجربة غرين أن إجابات الأشخاص كانت متعلقة بمستوى ارتباطهم العاطفي بهذا السيناريو، وأنها اختلفت بحسب كون قرار الشخص غير شخصي (مثل تحويل المسار) أو شخصي (مثل دفع شخص ما).

نتائج التجربة

لاحظ غرين أنه عندما كان على المشاركين أن يقرروا تحويل المسار أو لا، كان يزداد نشاط أدمغتهم في منطقة القشر قبل الجبهي، وهي منطقة مسؤولة عن التفكير المنطقي وحل المشاكل. أما عندما كانوا يقررون دفع شخص ما أو لا، كان يزداد النشاط في منطقة اللوزة، وهي منطقة مسؤولة عن مشاعر الخوف وبقية العمليات العاطفية.

وقد أظهرت الدراسات أن مجموعتين فقط لم تمتلكا أي رد فعل عاطفي تجاه المعضلة، وهما مجموعة الرهبان البوذيين الذين كانوا يفكرون بطريقة التحليل الهادئ وتفضيل مصلحة الجماعة على مصلحة الأفراد، بالإضافة إلى المرضى النفسيين بسبب افتقارهم للتعاطف مع الآخرين.

علاقة التجربة بالذكاء الصناعي

بالطبع لن يحتاج معظمنا للاختيار في مثل هذا الموقف في الحياة الواقعية، ولكن ربما يحصل هذا بالنسبة للسيارات ذاتية القيادة التي تعتمد على الذكاء الصناعي. فعندما تواجه مثل هذه السيارة حادثة مميتًا، فهل تريدها أن تقرر بمنطقية وأن تتجه نحو المسار الذي تقتل فيه عددًا أقل من الناس _حتى لو كنت أنت ضمنهم_ أم تريدها أن تختار بطريقة أخرى؟

وفي الحقيقة، ربما يتاح لصاحب هذه السيارة أن يختار ما يريد أن يحصل في مثل هذه الحالات، وهكذا تصبح قضية الاختيار بين الحياة والموت معضلة حقيقية تواجه المهندسين وعلماء الذكاء الصناعي، وربما لن يمكننا أن نعرف أبدًا ما هو الخيار الصحيح.
والآن نترككم مع هذا المقطع الفكاهي عن معضلة العربة (الترام) من فيلم The Good Place

اقرأ أيضًا

6 أسباب قد تدفعك للإيمان بــ«نظرية المؤامرة»

إخلاء المسؤولية
هذا المقال "ما هي معضلة العربة (الترام) الفلسفية ولماذا يهتم بها العلماء اليوم؟" لا يعبر بالضرورة عن رأي فريق التحرير في الموقع.
مصدر Curiosity TheConversation Wikipedia
Loading...